........
لم أقرر النزول فورًا.
قضيت يومًا كاملًا أحاول إقناع نفسي أن كل ما يحدث ضغط نفسي… إرهاق… خيال.
لكن المشكلة لم تكن في ما أراه…
بل في ما أصبح يحدث للواقع نفسه.
عند الظهيرة… قابلني جار الشقة على السلم.
نظر إليّ باستغراب وقال:
"إنت كنت راجع الفجر؟"
أجبته:
"لا… أنا ما خرجتش من أساسه."
تردد قليلًا ثم قال:
"غريبة… لأن واحد شبهك بالظبط طلع الدور عندك الساعة 4 الصبح… ومعاه مفتاح."
لم أرد.
لأنني تذكرت شيئًا…
المفتاح الذي وجدته أمام الباب…
لم أجربه أصلًا.
العودة
ذهبت إلى شارع النخيل قبل المغرب.
نفس الشارع… نفس الصمت…
لكن هذه المرة كان هناك فرق.
أول مرة دخلت، الناس كانوا يتجنبون النظر إلى البيت…
الآن كانوا يتجنبون النظر إليّ أنا.
كأنني لم أعد مجرد زائر.
كأنني أصبحت… جزءًا من القصة.
دخلت المنزل.
لم أشعر بالخوف كما توقعت.
بل بشيء أخطر…
شعرت أن المكان يعرفني.
الكرسي الهزاز لم يتحرك هذه المرة.
والهواء كان أثقل… أبطأ… كأن الزمن نفسه داخل البيت أبطأ من الخارج.
اتجهت مباشرة إلى نهاية الممر…
حيث لم أكن قد لاحظت شيئًا من قبل.
باب صغير… منخفض… يكاد يلامس الأرض.
لم أره يومها…
لكنني كنت متأكدًا الآن أنه لم يكن موجودًا أو لم أكن أستطيع رؤيته.
أخرجت المفتاح.
وضعته في القفل.
فتح… بسهولة.
النزول
كان السلم ضيقًا… حجريًا…
أبرد من أي مكان في البيت.
ومع كل درجة أنزلها…
كان صوت المدينة يختفي.
لا سيارات…
لا أطفال…
لا حتى صوت أنفاسي.
فقط صوت خطواتي.
وصلت للأسفل.
كانت غرفة طويلة… أشبه بأرشيف قديم.
أرفف معدنية ممتدة… عليها ملفات صفراء متراكمة.
اقتربت من أول ملف.
اسم.
ثم ملف آخر… اسم آخر.
كلها أسماء أشخاص… ومع كل اسم تاريخ…
وبجوار بعضهم كلمة واحدة:
"عاد"
وبجوار آخرين:
"بقي"
بحثت بسرعة…
حتى وجدت اسمي.
"يوسف …"
وبجواره… لم تكن أي من الكلمتين.
كان مكتوب:
"قيد الاستبدال"
شعرت بشيء خلفي.
لم يكن صوتًا…
بل إحساس شخص يقف قريبًا جدًا.
ثم جاءني الصوت…
واضحًا هذه المرة… ليس من الهاتف.
من خلفي مباشرة:
"أنا كنت هنا قبلك."
استدرت ببطء…
ورأيته.
لم يكن شبحًا…
كان إنسانًا… حقيقيًا… يتنفس.
لكن…
كان أنا.
نفس وجهي…
لكن أقدم… مرهق… وعيناه كأنهما لم تناما منذ سنوات.
قال بهدوء:
"كل واحد بيدخل البيت… المكان بيصنع له نسخة تخرج للعالم…
والأصل… يفضل هنا."
لم أستطع الكلام.
فأكمل:
"الرسالة اللي وصلتك… أنا اللي بعتها…
كنت بحاول أوقفك… قبل ما يختارك."
سألته أخيرًا بصوت بالكاد خرج:
"يختارني ليه؟"
نظر حوله إلى الملفات… ثم قال:
"المكان مش محتاج أرواح…
المكان محتاج حياة…
عشان يفضل موجود."
ثم مد يده نحوي…
"دلوقتي قدامك اختيار واحد بس."
النهاية المفتوحة
قال:
"لو خرجت… أنا هرجع مكاني في حياتي…
وإنت هتبقى هنا."
"ولو فضلت… هتفضل فاكر كل حاجة…
بس العالم هينساك."
في تلك اللحظة…
وصلت رسالة جديدة إلى هاتفي.
نظرت للشاشة…
كانت من رقم مجهول.
"لا تصدقه."
رفعت رأسي نحوه مرة أخرى…
لكن الرجل لم يعد موجودًا.
وكان الملف الذي يحمل اسمي…
قد تغيرت الكلمة بجواره إلى:
"خرج"
ومنذ ذلك اليوم…
أنا أعيش حياتي بشكل طبيعي.
أذهب للعمل… أتكلم مع الناس… الجميع يراني.
لكن هناك مشكلة واحدة فقط…
لا أحد… يتذكر أنني كنت موجودًا قبل أسبوع.
حتى أمي…
تسألني أحيانًا:
"حضرتك مين؟"
أحيانًا النجاة ليست أن تخرج من المكان…
بل أن يخرج المكان منك.

تعليقات
إرسال تعليق